موجة حرارة عالية ضربت القطبين الجنوبي والشمالي خلال الأيام الماضية، لتحطم الأرقام القياسية لأعلى درجات الحرارة، حيث وصلت درجات الحرارة إلى 47 درجة مئوية لأول مرة منذ 65 عامًا، ما يعد أمرًا لافتا للأنظار ومصدرا للقلق عالميا، لما تؤكده على استمرار حركة التغيرات المناخية حول العالم، والتي قد تسبب حدوث انهيار مناخي خلال السنوات القادمة.

وكشفت ناسا أن ارتفاع درجات الحرارة يعني أن جليد البحر في القطب الشمالي لا ينتشر على نطاق واسع كما كان عليه في الشتاء الماضي، ووفقا للمركز الوطني لبيانات الجليد التابع لوكالة الفضاء، بلغ الجليد البحري في القطب الشمالي ذروته عند 5.75 مليون ميل مربع (14.88 مليون كيلومتر مربع) في أواخر شهر فبراير الماضي.

ففي هذا الوقت من العام من المفترض أن يبرد القطب الجنوبي بسرعة بعد الصيف، ولا يخرج القطب الشمالي إلا ببطء من فصل الشتاء مع إطالة الأيام، وبالنسبة لكلا القطبين فإن إظهار مثل هذا التسخين دفعة واحدة يعد أمرا غير مسبوق.

اضطراب في أنظمة مناخ الأرض
والارتفاع السريع في درجات الحرارة عند القطبين يعد بمثابة تحذير من حدوث اضطراب في أنظمة مناخ الأرض، ففي العام الماضي خلال الفصل الأول من المراجعة الشاملة لعلوم المناخ، حذر الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ من إشارات الاحترار غير المسبوقة التي تحدث بالفعل، مما أدى إلى بعض التغيرات مثل الذوبان القطبي الذي يمكن أن يصبح بسرعة لا رجعة فيها، فهل هناك طريقة للتخفيف من آثار التغير المناخي وإنقاذ الأرض؟.

خطورة الموجات الحارة في القطبين الشمالي والجنوبي
هذا الخطر ذو شقين، لأن موجات الحر عند القطبين هي إشارة قوية على الضرر الذي تلحقه البشرية بالمناخ، ويمكن أن يؤدي الذوبان أيضا إلى مزيد من التغيرات المتتالية التي من شأنها تسريع انهيار المناخ، وعندما يذوب جليد البحر القطبي لاسيما في القطب الشمالي، فإنه يكشف عن وجود بحر مظلم يمتص حرارة أكثر من الجليد المعاكس، مما يزيد من ارتفاع درجة حرارة الكوكب، حيث يغطي جزءا كبيرا من جليد أنتاركتيكا الأرض، ويؤدي ذوبانها إلى ارتفاع مستويات سطح البحر.

ويؤثر ذوبان الجليد الدائم على كل شيء من بناء الأساسيات إلى موائل الحياة البرية، وعادة ما تكون الأنهار المجمدة بمثابة طرق نقل في فصل الشتاء، حيث لا يمكن الوصول إلى ثلثي المجتمعات في الولاية عن طرق البر، لكن ارتفاع درجات الحرارة جعل الجليد رقيقا بشكل خطير وغير آمن لسفر الشاحنات أو السيارات، كما تأثر صيد السلطعون لأن الجليد البحري الذي يستخدمه الصيادون كمنصة غير موجود أو رقيق للغاية في هذه المناطق.

ويرى خبراء الأرصاد وفقا لما ورد في جريدة الاهرام هنا، أن ارتفاع درجة الحرارة الذي ازداد بنسبة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة السابقة، هو ما أدى إلى سرعة ذوبان الجليد التي تضاعفت في الفترات الأخيرة، موضحين أنه من الممكن أن يحدث اختفاء لبعض الجزر الصغيرة نتيجة انغمارها في المياه، كما أن ارتفاع نسبة ذوبان الجليد سيؤثر على ارتفاع منسوب المياه في بعض الأماكن، ما يؤدي إلى اختفاء كائنات بحرية وظهور كائنات بحرية جديدة.

فيرى الدكتور وحيد سعود خبير الأرصاد والتحاليل الجوية، أن ارتفاع درجات الحرارة الخارج عن السيطرة وراء ظاهرة ذوبان الجليد، حيث وصلت درجة الحرارة العظمى في بعض الأماكن إلى أكثر من 40 درجة لأول مرة في التاريخ خلال السنوات الماضية، والخطورة تكمن في ذوبان جليد القطبين، فإذ كان الذوبان في جزيرة واحدة داخل دولة لن يشكل ذلك خطورة.

أضرار ناتجة عن ذوبان الجليد
هناك بعض الأضرار التي ستحدث نتيجة ذوبان الجليد، منها اختفاء الكثير من المناطق، و ارتفاع منسوب المياه في البحار، ويؤكد خبير الأرصاد الجوية، أن استمرار درجات الحرارة في الارتفاع سيشكل خطورة كبيرة، حيث يؤدي إلى ارتفاع في منسوب مياه البحار والمحيطات، والذي بدوره يؤدي إلى حدوث جفاف لبعض المناطق، ما يؤثر بالسلب على المزروعات ونفوق بعض الكائنات الحية وهجرة البعض منها لبيئة مناسبة لها.

ويعتقد الكثير أن ظاهرة الاحتباس الحراري هي المسئولة عما يحدث، لكنه يرى أن هناك ظواهر أخرى بجانب الاحتباس الحراري تؤثر بنسبة كبيرة في حدوث تلك الظاهرة، مثل تغير التوزيعات الضغطية المستمر سواء كانت على سطح الأرض أو في طبقات الجو العليا، وعلى مصادر الكتل الهوائية المصاحبة لهذه التوزيعات الضغطية، وهذا بدوره يؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة بقارة أوروبا ما يفضي إلى ذوبان الجليد في عدد من دول القارة.

كما يوضح أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى ارتفاع درجة الغلاف الجوي، وامتد تأثيره إلى معظم دول العالم، إضافة إلى ظاهرة الاحتباس الحراري والتي فيها تزداد نسبة الغازات الدفيئة والحديثة مثل غازي ثاني أكسيد الكربون والميثان.

السنوات العشر الأكثر سخونة في كل الأزمنة
تعتبر السنوات التسع الأخيرة جزءا من قائمة السنوات العشر الأكثر سخونة في كل الأزمنة، وتندرج السنوات التسع الأخيرة ضمن العشر الأعلى حرارة التي سجلت في العالم على مر العقود، ويحتل عام 2021 المرتبة السادسة بينها، وفقا لوكالة علمية أمريكية تعد مرجعا في هذا المجال، الأمر الذي يؤكد مرة أخرى حجم ظاهرة الاحترار المناخي، فهل هناك طريقة للتخفيف من آثار التغير المناخي وإنقاذ الأرض.

وموجات الحر الكبرى المتكررة في قطبي الأرض تثير القلق عالميا لخطورتها على كوكب الأرض، وكان العام الماضي عاما قياسيا بالنسبة لحرائق الغابات، حيث تسببت الحرائق المدمرة في الخراب في كاليفورنيا وأستراليا وسيبيريا، وتساهم حرائق الغابات في الاحتباس الحراري.

التغيرات المناخية
تغير المناخ يضرب هنا وهناك أيضا، ولن نعد نحن “أفريقيا” متأثرون فقط بتداعيات تغير المناخ والمتسبب عن الدول المعتدل مناخها، أوروبا، والصين، وأمريكا، فالموجات التي “شوت” ولفحت وجوهنا في دول المغرب العربي انتقلت في صورة تصدير إجباري من المغرب والجزائر وتونس إلى أوروبا القريبة كهدية مجانية لا ترد.

فتتعرض أوروبا لموجة حارة غير مسبوقة خلال الفترات الماضية وحطمت المستويات القياسية من الحرارة، ما أدى إلى خسائر كبيرة مادية وبشرية تحت تأثير الكتلة الهوائية الساخنة القادمة من شمال أفريقيا، ودرجات الحرارة في طريقها للزيادة ،الأمر الأكثر خطورة الفترة القادمة.

ويؤكد الدكتور محمد فهيم أستاذ التغيرات المناخية، أن ما يحدث حاليا من ارتفاع في درجات الحرارة في القطبين كان يمهد له منذ سنوات فكل عام يحدث ارتفاع أكبر عن العام الماضي ولكن لم تتحطم درجات الحرارة القياسية، وهذا العام تجاوزت درجات الحرارة الأرقام القياسية بكثير، وهو أمر غير معقول ويشكل خطورة كبيرة فيما بعد.

السؤال الآن، ما هو موقف مصر من هذه التغيرات المناخية؟
يجيب الدكتور محمد فهيم أستاذ التغيرات المناخية بمركز البحوث الزراعية، قائلا: “أولا.. من المتوقع زيادة في الارتباك المناخي وتشوه أكثر للنظام المناخي السائد، أهم ملامحه هو كثرة الاضطرابات والتقلبات المناخية الحادة بداية من الخريف القادم في زيادة كبيرة في هطول الأمطار والتي قد تصل لحد السيول كما حصل في عام 2015، وزيادة في موجات الصقيع والرياح العالية والباردة شتاء وكمان حدة وسخونة رياح الخماسين وصيف مبكر جدا”.

ثانيا.. سيحدث زيادة في مستوى سطح البحر، كان من المفترض أن يحدث تدريجيا في 30 سنة، ولكن حدث خلال هذا العام، وبالتالي زيادة في درجة تملح الأراضي في شمال دلتا ومن المقترح أن أهم وسيلتين للتغلب على هذا هو التوسع في المزارع السمكية وزراعات الأرز، وهذا هو الجزء السلبي الذي يجب أن نستعد له جيدا.

موجة جفاف تضرب الأرض
أما عن الجزء الايجابي، يؤكد أن هذه الموجة والموجات المتتالية من الحرارة العالية وما سيرتبط لها من الجفاف الشديد التي تضرب أوروبا خاصة جنوب ووسط أوروبا هذا الصيف، هي فرصة كبيرة جدا لمضاعفة صادرتنا لأوروبا خلال موسم التصدير القادم.

ويؤكد أستاذ التغيرات المناخية، أن ارتفاع درجات الحرارة ناتج عن زيادة غازات الاحتباس الحراري الناتج عن تكثيف الأنشطة الصناعية وغيرها، ويؤدي ارتفاع درجات الحرارة أيضا إلى:

ذوبان الجليد بشكل أكبر وأكثر خطورة.
زيادة الهجرة من الأماكن التي يذوب الجليد منها.
زيادة الظواهر المناخية، موجات حر شديدة وموجات برد شديدة، ولا يوجد مكان آمن من موجة التغيرات الحرارية.
ارتفاع مستوى سطح البحر، لذا لابد من حماية الشواطئ.
زيادة مشاكل الملوحة في الأراضي الزراعية، لذا يجب حل هذه المشكلة عن طريقة زراعة محاصيل مقاومة للملوحة وتطوير الري.
لابد من توفير أنشطة أخرى للمزارعين لزيادة الدخل حتى لا يتأثره بما سيحدث.
تهديد خطير من القطب الشمالي
وكشفت دراسات نشرت مؤخرا في مجلة “نيتشر” العلمية، أن ذوبان الجليد في القطب الشمالي، الذى قد يطلق كميات هائلة من الغازات الدفيئة، يشكل تهديدا على مشروعات بنية تحتية كبيرة، وعلى الكوكب بشكل عام.

وتغطى التربة الصقيعية، وهى أرض تظل مجمدة لأكثر من عامين على التوالي، 30 مليون كيلومتر مربع من كوكبنا، نصفها تقريبا في القطب الشمالي، وتحتوي هذه التربة على ضعف ثاني أكسيد الكربون الموجود في الغلاف الجوي و3 أضعاف الانبعاثات الناجمة عن الأنشطة البشرية منذ عام 1850، وشهدت التربة الصقيعية ارتفاعا في درجة الحرارة بمقدار 0.4 درجة مئوية في المتوسط بين عامي 2007 و2016، مما يثير مخاوف بشأن المعدل السريع للذوبان وإمكانية إطلاق الكربون.

وتتوقع الدراسة فقدان حوالي 4 ملايين كيلومتر مربع من التربة الصقيعية بحلول عام 2100، حتى لو تم لجم الاحترار المناخي، كذلك تؤدي الحرائق دورا في هذا الوضع، ويمكن أن تزداد حرائق الغابات هذه بنسبة 130% إلى 350 % بحلول منتصف القرن الجاري، مما يؤدي إلى إطلاق المزيد من الكربون من التربة الصقيعية، وهناك تهديد أكثر إلحاحا يهيمن على ما يقرب من 70% من الطرق وخطوط أنابيب الغاز والنفط والمدن والمصانع المبنية على التربة الصقيعية.